تمشي بهدوء تام .. الساعة ألان الواحدة بعد منتصف الليل .. خطواتها تحدث صوت مميز لأنها ذات مشيه مميزه ايضاً ..
رغم ان حذائها لايحتوي على كعب في مؤخرته ليرفعه للأعلى .. بل اكتفى بان يكون مساوي للارض لكي لا يرهق العامود الفقري .. المكان غير خالي تماماً .. وغير مزدحــم ..
ويمر من امامها رجلان اضطرت ان تكون بالقرب منهما عندما تجاوزتهما بالممر ..
ضحكت بصمت تام ورفعت راسها للاعلى وتذكرت غضب جدتها عندمـا قالت بلهجة نجديه محببه لها : " ايعقل ان تكون ابنتنا كـ الغريبات تجوب المستشفى بدون غطـاء !!"
هنـا عدلت من القماش الاسود الذي كان ينسدل من راسها بشكل واسع لـ يغطي الجزء الاعلى من جسمها .. اما بقيت جسمها فأكتفت بردائها الابيض .
تعبر الممر متجه لـ قسم النسـاء والولاده .. تسير وهي تفكـر:هنـاك شوق صديقتي المحببه اجتمعنـا في جميع مراحلنـا الدراسيه .. عشنا الطفوله والمراهقه وشقاوتهما معاً ..
ماعدا الجامعه افترقنا حيث فضلت هي نظم المعلومات على الطب .. فـ هي مرتبه بعكسي تماماً فوضويه قليلاً وهي متزوجه ايضاً أمـا انا فما زلت انتظر سعيد الحظ ..
طرقات على باب شوق تعلمها بقدوم زائر ثقيل في منتصف الليل ..
او كما يشـاع عادة أن زوار منتصف الليل ثقلاء جداً , بعكس الواقع الذي يقول العكس تماماً ..
تقول لها بعد السلام .. مادفعني للقدوم في هذا الوقت المتاخر هو ما ارسلتي الي طالبه قدومي .. وبعدها اتخذت لها مكاناً مناسب على طرف السرير لـ تكون قريبه وبنفس اللحظه لاتسبب الضيق لـ الاخرى ..
شوق بعد ان رفعت راسها بتعب اقتربت من تلك الجالسه على طرف السرير واحتضنتها وبكت !والاخرى قبلت تلك النفس المتعبه بأن احتوتها اكثر .. لم تخجل ولم تبعدهـا ابداً فـ هي صديقتها العزيزهـ..
شـوق : اتعلمين اني احبه احبه جداً ... عشت معه اروع 5 اشهر في حياتي .. تخيلته وتخيلت كل تفاصيله معي .. دائماً ما اتخيله بأدق تفاصيله بغرفة النوم وباغراضه وبطريقة تعاملي معه ... كنت استشعره صباح مساء .. احس به بنبضات قلبه اشعر به قبل ان يتحرك بداخلي ..
رغم كل الالم الذي كنت اعانيه كنت سعيدهـ جداً به ..
لم اكن اتذمر ابداً عندما يوقضني في منتصف الليل ومع هذا يؤلمني بـ شدهـ ولكني اكون سـعيدهـ لاني اشعر به وشعوري هذا هـو مايدفعني لـ أن ابتسم رغم الالم ..
صمتت مع بكاء حارق احتضنت صديقتها اكثر .. وهي تبكي بشده وتردد اقسم اني احببته واني اشعر بخسارته ..
طلبت منها ان ترتاح وان تحـاول ان تسترخي فـ تعبها ليس ببسيط ابداً .. ولكنها مازالت مستمره بنوبه من البكـاء الحـاد ..
شعرت بـ شوق تحضنها اكثر وبثقل اكثر فـ ادرك انها اصابة بفقدان بسيط للوعي فـ كمية الدم التي فقدتها غير بسيطه ..
ارجعتها بشكل بطيء ووضعت راسها على الوساده وطلبت منها ان تحاول ان تتذكر ان هذا قضاء الله ويجب ان نؤمن به ..
نظرت اليها بعد ما امسكت يدها بتعب شديد .. وقالت .. اقسم اني غير جزعه ابداً .. وأعلم ان ما اراده الله فيه الخير .. ولكني احببته واعاني من خسـارته وفقده هذا كل مافي الموضوع .. اني لا اعترض على حكـم الله .. ولكـن اشعر بالفقد!
كذبو عندما قالو ان الام لاتشعر به الا بعد قدومــه .. لقد كان حلماً رائع ازعجني اني استيقظت منه ! ازعجني جداً عدم حراكه في بطني ..
اتذكرين .. في زفاف جواهر .. ( تقولها وهي تبتسم بـ حزن )عندما بكيت هنـاك .. اتذكرين تلك الحادثه ..
اجابتها محاولة اخفاء ضحكتها نعم نعم ! اتذكر كيف انهرتي باكيه حمداً لله على سلامتك ..
ردت بضحكه يغلبها البكـاء .. لم افكر بنفسي ولا باي شي اخر غير هـو خفت من ان افقده وخاصه عندما شعرت به كـ حجر مركون داخل احشـائي خفت من اني لم اكن مناسبه جداً لحمله ولست كفء لـ اكون اماً له ..
بكيت خوفاً عليه لا علي انـا ..
لقد كانت حركتي المستمره في تلك المسـاء سبباً في انزعاجـه فـ احتج واصبح كـ الكره الجامده داخلي اشعر به بعد ان اتحسس بـطني بيدي .. ولا اشعر به يتحرك كـ عادته ..
اتعلمين ياصديقتي العزيزه اني قبل النوم اتحسس بطني بيدي واضع يدي اشعر انها يحس بها واتكلم الى زوجي انه الان يحاول ان يمسكها فـ يضحك ذالك الاخر ويقول انه لم يتكون بعد لـ يستطيع ان يمسك يدك !
كنت افكر دائماً به واعيش ابسط تفاصيله .. اسأل الله دائماً ان يكون حسن الخلق وأطلبه باستمرار ..
دائماً ما اقضـي الساعات وأنـا افكر فيه .. كيف ستكون ملامحـه وهل سيكون شبيه بـ والده أم بي ..
كنت دائماً ما اتمناه شبيه لـ ابي .. هل كنت انانيه بـ رغبتي تلك ؟
الأخرى وهي تبتسم لها لا لست انانيه ابداً .. فكل فتاة بأبيها معجبه ..
تكمل هي في أول ايامي لم اكن اعلم ان كان مابداخلي قطعة اللحم تلك فتاة أم صبي ولم أكن احاول ان افكر في ذالك الموضوع ولكن عندما ذهبت الى طبيبتي في ذالك اليوم وارتني صورته الغير مفهومه لي ابداً قالت لي انه صبي ..
وقلت بل هـو فارس هذا الزمـان وسيده .. يآآهـ لو تعلمين ما اعاني من فقدانــه .. اقسم اني كنت اسهر لـ اجله وأعاني معه .. فقد كـان ذوقه صعباً جداً في الطعام .. لم يحب كل ما احببه وأحببته ما يحبه ويفضله رغم اني لم اكن اتناوله عـاده ! وهل يعقل أن تتناول شوق الزيتون ! الا لـ اجله فقط !!
احياناً عندما انشغل بالعمل وبيوم طويل وافقد شـقاوته المرحه داخل بطني اشعر بهلع وخوف مما يدفعني لـ اتمدد مسرعة على ظهري وادعو الله ان اشعر به وقلبي يخفق بشدة الا أن احس به وكأنه يركل بطني مطمئناً لي .. كم كان شـعور رائع افتقدهـ الان !!
كل ماكسبته مجرد زيادة بالوزن فقط ! تلك الزيادة التي تقبلتها بصدر رحب لـ اجل عينيه الصغيرتين التي حرمت من اراهما الان امـامي ..
همست الاخرى لهـا .. هو امر من عند الله يجب ان تنسي لـ تعيشي حياتك من جديد ومازلتي فتاة شـابة تستطيعين أن تنجيبي اخرين بأذن الله .. ولست الاولى والاخيرهـ فـ القسم مليئ بـ فتياة يعانين كما تعانين تماماً .. امسحي دمعك هذا وسأروي لك حكاية ام عبدالله .. كانت مريضة لدينا رحمها الله امرائه في الخميسين ولكنها كانت مميزة جداً وذات سرعة بديهة وحكمة تجعلني احب مجالستها .. كان لـ ام عبدالله خمس ابناء .. عبدالله وحمد ورياض ونسيت البقيه وكان لها من الاحفاد ! لا اعلم واعتقد ان رياض هو ابن عبدالله الاكبر .. كانت تأتي الينا بشكل دوري ومستمر تقريباً كل شهر أو شهرين .. كنت احزن لتعبها ولكن احب مجالستها .. رغم انها ام لـ خمس رجال و اربعة نساء الا انها عاشت مع تعبها بـ منزلها الكبير وحيده هي وخادمتها البارهـ فقط
تحدثني تلك الخادمة عنهم بأنها لاتراهم ابداً الا مانرد رياض ياتي بين الحين والاخر فقط .. اما البقيه فـقد كانو منشغلين جداً باشياء يرونها اهم من امهم .. تحدثني ان ام عبدالله تتعمد ان تتعب وتاتي الى المستشفى فقط لتنال القليل من العنايه بـ زيارة ساعات فقط او ربما اقل من احد ابنائها .. وليس على مدار الاسبوع ! انمـا لـ يومين في الاسبوع ..
اتذكر ان لها ابنه تنادى بأم ابراهيم .. اتذكرها جيداً فقد كانت ام عبدالله تسال عنها كثيراً وتلك الاخرى لم تشعر بذالك فامها بالعناية المركزه تنام بـ جسد اصبح مستقر للعديد من الاجهزهـ والاخوة يبحثو عنها ليجدوها في احدى المصائف العربيه ورفضت ان تعود بحجة انها لاتشعر ولاتحس بما يدور حولها !
رغم أن ام عبدالله كـانت عندمـا تستيقض بعد فترة وأخرى تسأل عن ابنائها بأسمهائهم فرداً فرداً .. ولكنهم لم يسألو عنها ابداً
أي قلوب تلك التي تنبض داخل صدورهم .. أي احساس ومشـاعر يشعرون بها ..
كنت في كل مره اذهب لـ زيارتها واقراء بعض من كتاب الله بالقرب منها في ايام كثيره اتي وأرحل دون ان تشعر بوجودي وفي بعض الايام القليله تفتح عينيها بـ تعب وتمسك بيدي وتقول لي اي اسم لـ احدى بناتها فـ اجيب بالموافقه وتبداء بالسؤال عن الحال وبسرعه تعود لـ حالة الغياب عن الوعي ..
لقد كانت رحمها الله حكيمه جداً في زيارتها الاولى للمتستشفى احب ان اجالسها واستمتع بالحوار معها .. ولكنها بعد فتره من الزمن اصبحت تتعب بـ شكل اكبر واكبر واصبحت لاتستطيع الحديث .. ومع هذا لم اتخلى عن رويتها ابداً ..
فـ مازلت احب ان ازورها واحب ان ارى ملامح وجهها التي اتعبتها السنين وحفرت بها علامات اعتقد انها للجحود والنكران !
يقطع حديث تلك الاخرى صوت جهاز اسود صغير كان معها ..
تقبل راس شوق وتقول لها ..
عوضك الله عما فقدتي ياشوق ولكن ليسو كل الابناء نعمــه .. !
ترحل لـ حالة اخرى قد تحتاج منها الى اكثر من الكلام ..
بخطوات مسرعه .. تفكر شـوق وأم عبدالله ..
كلاهمـا يعاني من الفقد ويتألمان لـ نفس السبب
ولكـن أم عبدالله رحمها الله كان ألمهـا اكبر بـ كثير ..
يقطع تفكيرهـا بأم عبدالله وشـوق والمقارنه بالفرق والتشابه بينهمـا صـوت احدى الاطبـاء يطلب منها الاسراع اكثر فـ هنـاك حالة لـ حادث سيارة
لـ شابين لم يتجـاوزا الـ 20 من عمرهمـا ولكنهما تجاوزا اشارة المرور الحمراء ..
احدهمـا فقد الامـل بحياته ومازال للاخر بريق أمـل ..
في هذا المسـاء ام ايضاً ستعاني الفقد كـ شوق وام عبدالله ولكـن بشكل مختلف ..
تمت

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق